التغيير الوظيفي حلا

و.م.ق : الدكتور لبنان هاتف الشامي
(اختصاص في الإدارة والتنظيم)

في بلد يغرق في أزماته المالية والخدمية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا لا نصلح جذور الخلل قبل أن نعالج أعراضه؟ الجواب، في اعتقادي، يكمن في زاوية غائبة عن الكثير من الخطط الحكومية، وهي جمود الأجهزة الإدارية وتمسك أشخاص بعينهم بكراسي المناصب لعقود، وكأنها ملكية خاصة لا تخضع للتقييم أو المراجعة.
ما نشهده اليوم من تردٍ في الخدمات وهدر مالي فادح، ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمي لسياسات المحاصصة والمحسوبية التي جعلت من “المنصب” غنيمة، ومن “الكفاءة” مجرد كلمة ثانوية في قاموس التوظيف. إن بقاء الشخص ذاته في المنصب ذاته، أو في وزارة أخرى، لأكثر من أربع سنوات، لا يمثل استقراراً إدارياً كما يُروج له، بل هو استنبات للفساد بكل أشكاله: الإداري، المالي، والأخلاقي.
هذه الظاهرة، التي تؤكدها قضايا الفساد المعلنة وغير المعلنة في وزارات النفط والكهرباء والتجارة والإعمار، أسهمت في خلق حالة من الإحباط بين الكفاءات الحقيقية، الذين باتوا يرون أن الترقيات والتكليفات تخضع لـ”الحصص الحزبية” و”العلاقات الشخصية” أكثر من خضوعها للجدارة والاختصاص. والنتيجة كانت كارثية: انهيار في معنويات العاملين، وتغليب للمصلحة الخاصة على العامة، وخروج عن السياقات الإدارية السليمة التي تنص على مبدأ “وضع الرجل المناسب في المكان المناسب”.
لكن، ولإنصاف التاريخ، لا يمكننا أن نعمم؛ فهناك أيادٍ بيضاء وكفاءات نزيهة أخلصت لوطنها، لكن النقطة السوداء على اللوحة البيضاء تبقى الأكثر إزعاجاً، وهي التي تشوه صورة العمل الحكومي بأكمله.
إذاً، ما هو الحل الجذري؟
أرى أن الوقت قد حان لاعتماد نظام التناوب الوظيفي الصارم، بحيث لا تتجاوز مدة بقاء أي مسؤول في منصبه أربع سنوات قابلة للتمديد لسنتين إضافيتين فقط في حال ثبوت كفاءته المتميزة، على أن يُحال بعدها إلى منصب استشاري أو خبير للاستفادة من خبرته دون أن يكون عائقاً أمام ضخ دماء جديدة. بعد ذلك، يُعاد إلى عمله الأصلي، ما يمنع الترسخ والتمدد في المناصب القيادية.
وهذا الإجراء لا يكتمل إلا بعدد من الخطوات الإدارية تتمثل في :
اولا : تبسيط الإجراءات وتقليل التشكيلات الإدارية المتضخمة.
ثانيا: وقف تعيين الأقارب والإيفادات غير المبررة.
ثالثا:تجريد المناصب من مظاهر البذخ والامتيازات غير الضرورية، التي حولتها إلى غايات يسعى لها الطامحون، لا إلى وسائل لخدمة الشعب.
لذلك إطلاق حملة وطنية تقوم على مراجعة وتقييم جميع من تجاوزت مدة تكليفهم أربع سنوات، لن تكون مجرد عملية إدارية روتينية، بل هي ثورة إصلاحية حقيقية لكشف الفاسدين، وإعادة الاعتبار للكفاءات المركونة، وإنعاش الأجهزة الحكومية بطاقات شابة ومؤهلة.
نعم، يتطلب ذلك دراسة مستفيضة وشجاعة سياسية، لكن البديل هو الاستمرار في نفس الحلقة المفرغة من الفساد والترهل وسوء الخدمات. وقد حان الوقت لنقول بكل وضوح: الإصلاح الإداري ليس رفاهية، بل هو شرط البقاء والنهوض… السؤال هل يصدر القرار في تجديد دماء الدرجات الخاصة.. والعمل على الحد من مظاهر الفساد ام لا؟؟
بانتظار الاجابة..

زر الذهاب إلى الأعلى